اجتياح 1978: بدء العد العكسي لزوال الكيان الصهيوني

ا31 عاماً على اجتياح 1978


تختلط المناسبات في آذار، وتضيع ذكرى القديم بالجديد، فتطوف اخرى على سطح الاهتمامات المحلية فيما تغرق اخرى في متاهات السياسات المستجدة.
تاريخ الرابع عشر من آذار لا ينسى إلى ما قبل واحد وثلاثين عاماً ، عندما نفذت اسرائيل تهديداتها باجتياح لبنان فيما عرف يومها بعملية الليطاني التي جاءت اسبابها المباشرة عقب عملية «كمال عدوان».
جاء الاجتياح كما اسلف بعد عملية كمال عدوان بقيادة الشهيدة دلال المغربي نهار السبت 11/3/1978 على الطريق الساحلي شمالي تل أبيب، وأدّت إلى مقتل 32 إسرائيلياً وجرح 82 آخرين، فيما كانت من اسبابها «الحقيقية»، بحسب بيان مجلس الوزراء الإسرائيلي، ضرب قواعد الفدائيين الفلسطينيين وتفكيك البنى التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي استكمل لاحقا باجتياح 1982 الذي وصل الى بيروت ونتج عنه احتلال ثاني عاصمة عربية بعد القدس.
اما في الواقع كما تبين على مر السنوات، كانت للعدوان الاسرائيلي أبعاد مختلفة أبرزها إلغاء لبنان كمنافس محتمل لاسرائيل على عائد التسوية الشرق اوسطية المحتملة، كون لبنان شكل على الدوام واجهة السوق العربية والمتوسطية، وبعدا مائيا نصت عليه الادبيات الصهيونية منذ نشوء فكرة «اسرائيل» كوطن قومي محتمل لليهود، وبعدا جغرافيا يجعل من اية مساحة لبنانية تتمكن اسرائيل من احتلالها وقضمها مكانا مناسبا للاستيطان.
يشير المؤرخ د. مصطفى بزي الى أن الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية بعنوان «عملية الليطاني» والذي بدأ ليل 14 ـ 15 آذار 1978 والذي استمر سبعة أيام برا وبحرا وجوا، استهدف 358 بلدة وقرية في أقضية بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا، صور، النبطية، وكانت حصيلته، احتلال 1100 كيلو متر مربع من الأراضي اللبنانية واربع عواصم اقضية هي بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا وجزين، واستشهاد 560 مواطنا، وجرح 653 مواطنا. ودمرت قوات الاحتلال بالمدفعية والطائرات والمتفجرات تدميرا كاملا قرى عدة منها الغندورية، العباسية، العزية، القنطرة، دير حنا، البياضة، مزرعة النميرية، مزرعة الخريبة، وما مجموعه 2500 وحدة سكنية تدميرا كاملا و 620 منزلا تدميرا جزئيا، وتخريب البنى التحتية ولا سيما شبكات المياه والكهرباء والهاتف على مساحة العدوان واتلاف المزروعات على مساحة آلاف الدونمات واحراق حوالي 150 ألف شجرة زيتون وحمضيات، بالاضافة الى تدمير خمسين مدرسة وتخريب عشرة مستشفيات ومستوصفات وتدمير أكثر من عشرين مسجدا وكنيسة وحسينية.
واستمرت تداعيات الاجتياح إلى ما بعد ذلك بكثير وبالتحديد حتى ايار 2000، بعد أن أبقت القوات الإسرائيلية على شريط محتل فاصل بلغت مساحته حوالي 700 كلم مربع وشمل 55 قرية وبلدة لبنانية، وقد وسعت إسرائيل الشريط بعد اجتياح 1982.
مجازر متنقلة بالجملة
وارتكبت القوات الإسرائيلية خلال اجتياح 1978 عدداً من المجازر، كانت أكبرها مجزرة الاوزاعي التي وقعت في اليوم الأول للاجتياح العسكري الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عندما قصفت المقاتلات الحربية الإسرائيلية منطقة الاوزاعي . واستهدف القصف وحدات سكنية ومؤسسات تجارية وأسفر عن استشهاد 26 مواطنا. وتلت مجزرة الأوزاعي مجزرة راشيا الفخار حيث قتلت قذائف المدفعية الإسرائيلية 15 لبنانيا لجأوا إلى الكنيسة، ثم مجزرة عدلون حيث حشر 20 فردا من آل قدوح وآل الطويل في سيارتي مرسيدس هاربين من جحيم القصف الإسرائيلي متجهين إلى بيروت. وتأتي مجزرة الخيام في الترتيب الرابع بعدما انتقمت قوات الاحتلال «الاسرائيلي» على نحو فظيع من بلدة الخيام. وما ان استكملت القوات الإسرائيلية ضربة النار للبلدة برا وجوا وحولت منازلها الى أنقاض حتى سلمتها الى ميليشياتها التي فتكت فتكا ذريعا بالسكان كما روى ريتشارد غروس مراسل وكالة «اليونايتد برس» الذي زار البلدة يوم 20/3/1978. وفي 19/3/1978 نشرت «السفير» مقابلة أجرتها فاديا الشرقاوي مع عدد من الناجيات من هذه المجزرة وجاء في الصحيفة «مجزرة الخيام التي ذهب ضحيتها أكثر من مئة ضحية تتراوح أعمار أغلبيتهم من الـ 70 الى الـ 85 سنة».
وفي العباسية اعتقد الاهالي ان دور العبادة تشكل ملجأ امينا لهم، لكن مقاتلات الـ أف ـ 15 الأميركية الصنع التي كانت إسرائيل تختبرها للمرة الأولى قامت بشن غارة جوية على مسجد البلدة ما ادى الى تهدمه على من فيه، فسقط ما يزيد عن ثمانين شهيدا وجريحا. يضاف الى هذا الرقم اعداد الضحايا في مجزرة المنصوري و15 مواطنا من مدينة صور، واربعة أشخاص من بلدة شحور، و 12 مواطنا من بلدة قدس واسرة من عربصاليم وجميعهم كانوا في العباسية أثناء وقوع العدوان عليها، هذا عدا عن مئات الجرحى والمصابين.
ولم يكن اجتياح 1978 بداية الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان ولا نهايته، فخلال الفترة الممتدة بين 14/6/1968 و9/7/1975 قام سلاح الجو الاسرائيلي بخرق الاجواء اللبنانية 2655 مرة. وخرقت الوحدات البحرية الاسرائيلية حرمة المياه الاقليمية اللبنانية 493 مرة. وقصفت المدفعية الاسرائيلية الاراضي اللبنانية 4469 مرة. وشنت المقاتلات الاسرائيلية 187غارة على الاراضي اللبنانية. وادت الاعتداءات الاسرائيلية الى استشهاد 168 عسكريا لبنانيا و443 مدنيا وجرح 167 عسكريا و1042 مدنيا وتدمير 989 وحدة سكنية وتصدع 1256 منزلا.
ومقاومة ايضا…
وقد سطر الجنوبيون بتصديهم للعدوان ملاحم بطولية نقلها الصحافيون الاجانب الذين رافقوا الحملة الاسرائيلية.
«انها فيتنام جديدة على بعد نصف العالم»، هو عنوان رسالة تيد نيكو مراسل وكالة «اليونايتدبرس» الاميركية من تل أبيب عن مشاهداته الشخصية في بلدة حداثا اللبنانية برفقة اثنين من المراسلين الأجانب هما ديفد هيرست، ودوغ روبرتس.
يومها كانت الرسالة تقول «إنها فيتنام جديدة على بعد نصف عالم، فعلى مدى يوم مخيف كامل تسنى لي ولمراسلين غربيين آخرين أن نلقي بالصدفة، نظرة على ما يعنيه أن تضبط في الوسط بين قوة غزو إسرائيلية رهيبة وفدائيين فلسطينيين، تحاول هذه القوة أن تطردهم من منطقة الحدود اللبنانية».
«دخلنا حـــداثا التي تبعد 12 كيلومترا عن الحدود ظهر يوم الجمعة الماضي بين هجومين إسرائيليين، هجـــوم واحد فقط كان يكفي، غير أن الطائرات والدبابات ومدافــــع المورتر والأسلحة الصغيرة قد قامت بتـــحويل البلدة الزراعية الاسلامية الصغيرة الى ســاحة دمار وموت.
استعملت اسرائيل في اجتياحها هذا احدث اسلحة الجو والبر والبحر بما في ذلك قنابل «النابالم» و «الكانستر» المحرمة دوليا، كما ادخلت في الحرب للمرة الأولى طائرة «اف 15» الاميركية بكل ما حملته من تطور تقني انذاك، كما دخلت دبابة «الميركافا» بجيلها الاول ميدان الخدمة الفعلية في اول حرب لها».
ونتيجة لهذا الاجتياح اصدر مجلس الامن الدولي القرار 425 الذي طالب اسرائيل بوقف عملياتها العسكرية فورا، وسحب قواتها دون ابطاء من كل الاراضي اللبنانية، وقرر إنشاء قوة دولية مؤقتة في جنوب لبنان لتتأكد من انسحاب القوات الاسرائيلية واعادة السلام والامن الدوليين الى سابق عهدها، ومساعدة حكومة لبنان في توفير عودة سلطتها الفعالة في المنطقة. ورغم صدور هذا القرار، ووصول قوات «اليونيفيل» الى جنوب لبنان، لم تذعن إسرائيل للقرارات الدولية، بل أبقت قواتها في مساحة 700 كلم تقريباً، وهي المساحة الإجمالية للشريط المحتل في صيغته الأولى (1978 ـ 1982). كما لم تنعم المناطق الحدودية بالهدوء، فقد ظلت التوترات تجري في فلكها، وأعنفها ما حصل ما بين 14 و 24 تموز عام 1981، حيث تكثفت الغارات الجوية الإسرائيلية على امتداد مناطق واسعة من لبنان، موقعة 200 شهيد و 800 جريح. وبقي القرار دون تنفــيذ حتى ايار 2000 وتخلله ثلاث حروب كبيرة من اجتياح 1982 الى نيسان 93 وتموز 96.
تعويضات في مهب النسيان
ورغم مرور هذه الفترة الطويلة على العدوان التي تجاوزت العقود الثلاثة، الا ان تعويضات مئات البيوت التي تهدمت جراء العدوان لم تصل بعد الى مستحقيها.
ففي مارون الراس مثلا التي تهدم أكثر من نصف منازلها لوقوعها على خط التقدم الثابت للاجتياحات والانزالات الإسرائيلية ما تزال أطلال بيوتها شاهدة على التقصير الرسمي.
ويشير محمد فارس الذي فقد منزله خلال الاجتياح الى عشرات المراجعات ومئات الوعود التي تلقوها من رسميين لم تأت بنتيجة حتى الان وكانت الحجة الدائمة عدم توفر الاموال متسائلا، لقد صرفوا مليارات الدولارات على الاعمار في لبنان ولم يجدوا بضع مئات من الاف الدولارات لتعويض مارون الراس خط الدفاع الاول عن الوطن.
كما وأدى الاجتياح الى اشغال اكثر من 700 عقار من قبل قوات الطوارئ الدولية التي اتت بموجب القرار 425، وما يزال أصحابها بانتظار بـــدلات الإيجار التي تكفلت الدولة اللبنانية بدفعها. ويشير الرئيس السابق لتجمع اصــحاب العقارات المشغولة من الطوارئ حسين سويدان إلى أن «آخر دفعة عن حقوقنا تلقيناها عام 1999، وقد بلغ مجموع ما تم دفعه حوالي 55 بالمئة من قيمة التعويضات، ومـــنذ ذلك اليوم لم نتلق الا وعوداً، فيما غــــابت قضيتنا عن التداول والمتابعة خلال الاحـــداث السياسية التي عصفت في لبنان خلال السنوات الماضية». ويــؤكد سويدان بان هناك العديد من العـــقارات قد جرى اخــــلاؤها بعد التحرير وبعد عدوان تموز 2006 فيما لم يحصل أصحابها على حقوقهم بعد، كما وان هناك عقارات مستأجرة منذ اكثر من ثلاثين عاما ولم تدفع اي حقوق لاصحابها بعد.ا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: