الذكرى التاسع عشر لرحيل الإمام الخميني قده

السيرة الموجزة للإمام الخميني (قدّس سرّه) مؤسس الجمهورية الإسلامية

ولادته
ولد الإمام الخميني في العشرين من جمادى الثاني عام 1320هـ في مدينة “خمين” إحدى مدن المحافظة المركزية (أراك) في إيران من أسرة علوية عريقة في العلم والهجرة والجهاد.ا

كان والده الجليل المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي معاصراً للمرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي(رحمه الله). وبعد إتمامه دراسته الدينية في النجف الأشرف ونيله درجة الاجتهاد عاد إلى إيران وأصبح قبلة الناس في مدينة “خمين” فيما يخصّ الأمور الدينية. لم يبلغ الإمام الخميني(روح الله) 5 أشهر من عمره حتى خنق المستبدون والخونة من عملاء الحكومة آنذاك صوتالحق في صدر والده الذي انتفض على ظلمهم، وأسكتوا أنفاسه بالرّصاص، حيث استشهد في طريق العودة من خمين إلى أراك.ا

دراسته العلوم الإسلامية
بدأ دراسته صغيراً وقام بتعلم بعض المعارف والعلوم التمهيدية لمرحلة السطح في المدرسة الدينية (الحوزة الدينية) مستمداً من ذهنه الوقاد، ومن جملتها الأدب العربي والمنطق والفقه والأصول على أيدي أساتذة مدينة خمين وعلمائها، بعدها دخل المدرسة الدينية (الحوزة الدينية) في عام 1298هـ.ا

الهجرة إلى مدينة قم
بعد رحيل آية الله العظمى الحاج الشيخ عبدالکريم الحائري اليزدي الى مدينة “قم” في يوم النيروز من عام1921م، المصادف لشهر رجب من عام 1340 هـ)، التحق الإمام الخميني بالحوزة العلمية في مدينة “قم”، وطوى بسرعة المراحل اللاحقة من دراسته الدينية ناهلاً العلوم من نخبة من أساتذة الحوزة في قم في ذلك الوقت، حيث درس تتمة بحوث كتاب في علم المعاني والبيان المطوّل على يد المرحوم آقا ميرزا محمدعلي أديب طهراني، وأكمل دروس مرحلة السطح على يد المرحوم آية الله السيد محمد تقي الخُونساري. وقضى الشطر الأكبر من مرحلة تتلمذه على يد المرحوم آية الله السيد علي يثربي کاشاني؛ كما تلقى دروس مرحلة الخارج (المرحلة العليا) في الفقه والأصول على يد زعيم المدرسة الدينية(الحوزة الدينية) في “قم” آية الله العظمى الحاج الشيخ عبدالکريم حائري يزدي. وتزامناً مع دراسته للفقه والأصول، كان سماحته يتلقّى دروساً في الرياضيات وعلم الفلك والفلسفة لدى المرحوم الحاج السيد أبوالحسن رفيعي قزويني، وإلى جانب ذلك درس العلوم الروحية والعرفانية لدى المرحوم آقا ميرزا علي أکبر حکيمـى يزدي، وعلم العروض والقوافي والفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية لدى المرحوم آقا شيخ محمدرضا مسجدشاهـي أصفهاني، والأخلاق والعـرفان لدى المرحوم آية الله الحاج ميرزا جواد ملکي تبريزي، كما انهمك في خلال 6 سنوات على دراسة أعلى درجات العرفان النظري والعملي عند المرحوم آية الله آقا ميرزا محمد علي شاه آبادى، فأصبح السير والسلوك المعنوي إلى الله منذ ذلك الحين شغله الشاغل.
في المدرسة الدينية(الحوزة الدينية) في قم، عكف سماحة الإمام(رحمه الله) سنين طويلة على تدريس الفقه والأصول والفاسفة والعرفان والأخلاق الإسلامية لعدة دورات. بالإضافة إلى تدريسه المراحل العليا من علوم أهل البيت(ع) والفقه في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف لمدة تقارب الـ14 سنة. وخلال هذه الفترة قام بتدريس الأصول النظرية للحكومة الإسلامية عبر سلسلة دروس “ولاية الفقيه” وذلك لأول مرة.
وينقل تلامذته أن دروسه التي كان يلقيها هناك كانت تعدّ من أرقى المناهج الدراسية في الحوزة، حيث كان يصل عدد طلابه في بعض الدورات – أي السنة الدراسية في الحوزة العلمية في قم – إلى 1200 طالباً، من بينهم عشرات المجتهدين المعروفين في وقتنا الحاضر.
في الثلاثين من مارس عام 1961 توفي آية الله العظمى البروجردي، وفي هذه الأثناء وعلى جري عادته في مراحل حياته السابقة، لم يخط الإمام الخميني خطوة واحدة نحو تقلده مرجعية الحوزة الدينية، على الرغم من ترحيب الحوزة والناس وتحمسهم لهذا الأمر.
ومع وفاة آية الله البروجردي وتعدد المرجعية العليا، عجّل نظام الشاه من وتيرة الإصلاحات التي أوعزت بها الولايات المتحدة.
في 9 أكتوبر من عام 1962م صادقت وزارة أسد الله علم على لائحة المجالس المحلية التي تنص على إلغاء مبدأ اشتراط أن يكون المرشح مسلماً وكذلك إلغاء شرط أداء اليمين الدستورية على القرآن الكريم. لكن بمجرد انتشار خبر التصديق على تلك اللائحة هب الإمام الخميني مع عدد من العلماء في قم وطهران، بعد تدارسهم للأمر، إلى إعلان معارضتهم القاطعة ضد النظام الحاكم.
فعمد نظام الشاه في البدء إلى سياسة التهديد والتشنيع على رجال الدين، لكن لم يحل ذلك من تفاقم المعارضة، فقد عمّ الإضراب طهران وقم وبعض المدن الأخرى، وتجمّع الناس في المساجد معلنين ولاءهم لحركة علماء الدين. ومن ناحيته، فقد أصرّ سماحة الإمام(رحمه الله) على أن تعمل الحكومة على إعلان إلغاء اللائحة المذكورة رسمياً على الملأ.
وأخيراً لم يجد نظام الشاه مهرباً من الرضوخ لهذه المطالب، وبالفعل أعلنت الحكومة في 28 نوفمبر من عام 1962م رسمياً إلغاء تلك اللائحة، وأطلعت العلماء ومراجع الدين في طهران وقم على ذلك.
ومن جهة أخرى فقد أكّد الإمام الخميني بعد اجتماعه مع علماء الدين في مدينة قم، على مواقفه السابقة موضحاً أن إلغاء اللائحة المذكورة خلف الكواليس ليس كافياً، وأن الإنتفاضة ستستمر حتى يتمّ الإعلان عن ذلك الإلغاء عبر وسائل الإعلام العامة.
وفعلاً قامت الحكومة في صباح اليوم التالي بنشر خبر إلغاء اللائحة المذكورة في الصحف الرسمية. وإثر هذا الانتصار الذي حققه علماء الدين والشعب المسلم شنت السلطة الحاكمة حملة واسعة ضد علماء الدين عامة والإمام الخميني بوجه خاص، وصممّ الشاه على قمع الإنتفاضة بكل ما أوتي من قوة. فقام بعض جلاوزة النظام المسلحين المتنكرين بالزي الديني والمندسين في اجتماع لطلبة العلوم الدينية في المدرسة الفيضية في مارس من عام 1963م الذي صادف ذكرى شهادة الإمام الصادق(عليه السلام) ، بتقويض ذلك الاجتماع، ومن ثم التمهيد لقوات شرطة النظام للإغارة بوحشية على المجتمعين بالأسلحة النارية، وقد قتل وجرح العديد منهم. وفي نفس الوقت كانت مدرسة الطالبية الدينية في تبريز تتعرض لهجوم مماثل.
في رسالة له في 2 مايو من عام 1963م بمناسبة مرور أربعين يوماً على مذبحة المدرسة الفيضية شدّد الإمام الخميني على وقوف العلماء والشعب الإيراني إلى جانب قادة الدول الإسلامية والعربية في مواجهتهم للاحتلال الإسرائيلي، معلناً رفضه واستنكاره لاتفاقيات نظام الشاه مع الكيان الصهيوني الغاصب (إسرائيل)، ليؤكد منذ اللحظة الأولى لانطلاق انتفاضته على الارتباط الوثيق للنهضة الإسلامية في إيران مع مصالح الأمة الإسلامية.ا

إنتفاضة الخامس من يونيو
ألقى الإمام الخميني خطابه التاريخي في المدرسة الفيضية بعد ظهر يوم عاشوراء من عام 1383هـ (1963م)، وقد ركّز في خطابه هذا على مساوئ حكم العائلة البهلوية المالكة، وأماط اللثام عن العلاقات السرية للنظام مع إسرائيل. فكان وقع كلمات الإمام كالمطرقة على رأس الشاه الذي أصبح طغيانه وغروره مدار حديث القاصي والداني، مما اضطر النظام إلى إصدار أوامره بإطفاء شعلة الانتفاضة الشعبية. فتم إلقاء القبض على جماعة كبيرة من أتباع الإمام عشية الرابع من يونيو، وفي فجر الخامس من يونيو اعتقل الإمام نفسه وهو قائم يصلي صلاة الليل، وتم ترحيله إلى طهران ليودع في معتقل نادي الضباط، ومن ثم نقِل إلى سجن “قصر” في غروب نفس اليوم.
وانتشر خبر اعتقال الإمام بسرعة في مدينة قم والمناطق المحيطة بها، وتحركت الجموع نساءً ورجالاً من كل صوب متجهة إلى منزل قائدها وإمامها للتعبير عن تأييدها له وتضامنها معه، وكان هتافهم الرئيسي الذي دوّى في أرجاء المدينة هو “الخميني أو الموت!”. وما أن بدأت الجموع بالخروج من حرم السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)، حتى تعرضت لإطلاق نار كثيف، واستمرت الإشتباكات لعدة ساعات، وتمّ للنظام قمع الانتفاضة بلا رحمة والسيطرة على الموقف، وسارعت الشاحنات العسكرية إلى جمع جثث الشهداء والجرحى من الشوارع والأزقة حاملة إياها إلى أماكن مجهولة.
وفي صبيحة الخامس من يونيو وصل خبر اعتقال الزعيم الكبير إلى طهران ومشهد وشيراز وبعض المدن الأخرى التي أصبحت أوضاعها شبيهة بما هي عليه في مدينة قم. فتحرك أهالي مدينة “ورامين” والمدن المحيطة بالعاصمة نحو طهران، وتصدت لها الدبابات والمصفحات والقوات العسكرية التي تمركزت عند تقاطع “ورامين” للحيلولة دون تقدّم تلك الجموع ودخولها إلى العاصمة، مما تسبب في استشهاد الكثير من المتظاهرين. كما تجمهر الكثير من الناس بالقرب من سوق طهران ووسط العاصمة واتجهت صوب قصر الشاه هاتفة بشعار”الخميني أو الموت!”، وفي النهاية تمكنت قوات الجيش والشرطة من السيطرة على الموقف بعد إطلاقهم النار على الجموع بصورة مكثفة واستخدامهم جميع الوسائل المتاحة.
وهكذا بدا أن الانتفاضة قد قمعت إثر اعتقال قائدها، والمذابح الدموية التي اقترفها النظام في الخامس من يونيو 1963م. أما بالنسبة للإمام الخميني فقد رفض بكبرياء وشمم الإجابة عن أسئلة المحققين مصرحاً أنه ليس للسلطة الحاكمة في إيران أو الجهاز القضائي أي شرعية أو أهلية قانونية.
عشية السابع من أبريل عام 1964م، أطلِق سراح الإمام الخميني دون إشعار مسبق، ونقِل إلى مدينة “قم”. وقد عمت الفرحة إثر ذلك أرجاء المدينة وأقيمت احتفالات كبيرة في المدرسة الفيضية وفي المدينة لعدة أيام. لم يمض على إطلاق سراح الإمام سوى 3 أيام حتى ألقى خطاباً ملهباً خيب فيه آمال النظام وإعلامه، حيث شرح القائد الكبير في خطابه المذكور أبعاد إنتفاضة الخامس من يونيو، مفنداً الادعاءات الكاذبة التي وردت في الصحف والتي أشارت إلى حصول تفاهم بينه وبين النظام، حيث قال:
“لقد كتبت الصحف في افتتاحياتها بأن هناك نوعاً من التفاهم قد حصل مع علماء الدين، وأن علماء الدين يؤيدون الثورة البيضاء للشاه. أي ثورة؟ وأي شعب؟ لو أنهم وضعوا حبل المشنقة حول عنق الخميني فإنه لن يستكين. لا يمكن إجراء الإصلاحات على أسنة الحِراب!”ا

الإعتراض على إحياء معاهدة الإمتيازات الأجنبية(كاپيتولاسيون) ونفيه إلى تركيا
توهم الشاه أن المذابح والاعتقالات والمحاكمات الصورية قد تقوض من قوة المعارضة الرئيسية، ومن هنا كان مصمماً على المضي قدماً نحو تنفيذ إصلاحاته التي كان يُمليها عليه “البيت الأبيض” في “الولايات المتحدة”. ولهذا فقد وضعت مسألة إحياء معاهدة الإمتيازات الأجنبية (أي منح الحصانة السياسية والدبلوماسية للجالية الأمريكية في إيران) على رأس برنامج عمل الحكومة. وكانت مصادقة المؤسستين الصوريتين أي البرلمان ومجلس الشيوخ على هذا القانون بمثابة القشة التي قصمت ظهر الاستقلال الإيراني الهش أساساً.
في هذه الأثناء، ألقى الإمام الخميني خطابه الخالد في جموع علماء الدين وأهالي قم والمدن الأخرى في 26 أكتوبر من عام 1964م والذي صادف يوم ميلاد الشاه، إذ فضح فيه ممارسات الشاه الخيانية، وكانت مناسبة لمحاكمة التدخل غير المشروع للإدارة الأمريكية في الشؤون الإيرانية.
في صبيحة 4 نوفمبر من نفس العام أرسلت من طهران قوة من رجال الكوماندوز المسلحين لمحاصرة منزل الإمام الخميني في قم، وقامت باعتقاله واقتياده مباشرة إلى مطار مهرآباد في طهران ترافقه مفرزة أمنية، ثم وضِع في طائرة عسكرية وتحت حراسة مشددة متجهة به إلى العاصمة التركية “أنقرة”. وقد استمرت فترة إقامته في تركية أحد عشر شهراً.

من تركية إلى العراق
في 5 أكتوبر من عام 1965م تمّ ترحيل سماحة الإمام(رحمه الله) مع نجله آية الله الحاج مصطفى من تركية إلى منفاه الثاني العراق. وخلافاً لتصورات نظام الشاه، فقد كان الترحيب الكبير الذي لقيه الإمام من قبل طلاب الحوزة الدينية والجماهير في العراق رسالة واضحة بأن انتفاضة الخامس من حزيران كان لها صدى كبير في العراق وفي النجف الأشرف كذلك.
بدأ الإمام الخميني بإلقاء سلسلة دروس الفقه مرحلة الخارج(المرحلة العليا) في مسجد الشيخ الأنصاري(رحمه الله) في أكتوبر من عام 1965م، واستمر على ذلك حتى رحلته إلى باريس. بدأ الإمام بإلقاء دروسه حول الحكومة الإسلامية (أو ولاية الفقيه) في فبراير من عام 1969م، وجمعت هذه الدروس في كتاب واحد صدر تحت عنوان(ولاية الفقيه) أو (الحكومة الإسلامية) وقد نشر هذا الكتاب في إيران والعراق ولبنان، ووزع في موسم الحجّ أيضاً، وكان له أثر كبير في تجديد روح الجهاد والمقاومة.
تجدر الإشارة إلى أن الإمام الخميني طيلة سنوات النفي لم يتوقف عن مواصلة الجهاد لحظة واحدة بالرغم من الصعاب التي واجهته، وكانت خطاباته ونداءاته تحيي في القلوب الأمل بالنصر.
في فتوى له بمناسبة حرب الأيام الستة بين العرب وإسرائيل في يونيو عام 1967م حرّم أي علاقات تجارية أو سياسية للدول الإسلامية مع إسرائيل، وكذلك حرّم استهلاك البضائع والمنتجات الإسرائيلية من قبل الشعوب الإسلامية.ا

مواصلة الجهاد
في نهاية مارس 1975م وصل استبداد الشاه إلى القمة وذلك من خلال تأسيسه لحزب”رستاخيز” وفرض نظام الحزب الواحد، حيث صرّح في خطاب له عبر التلفزيون أن على جميع أفراد الشعب الإيراني الدخول في الحزب المذكور، وعلى من يرفض هذا الأمر تسلم جواز سفره والخروج من البلاد. وفور ذلك أصدر الإمام الخميني فتواه التي جاء فيها:
“نظراً لمخالفة هذا الحزب المبادئ الإسلامية ومصالح الشعب الإيراني المسلم، فإن الانتماء إليه حرام على جميع أفراد الشعب، وهو يُعدّ إعانة للظلم واستئصالاً لشأفة المسلمين، وأن مقاومته من أوضح مصاديق النهي عن المنكر”.
وكان لفتوى الإمام الخميني وبعض العلماء الآخرين أثرها الكبير والفعّال، فقد أعلن نظام الشاه رسمياً عن فشل سياسة حزب “رستاخيز” ومن ثم حلّه وذلك بعد بضع سنوات من تأسيسه على الرغم من الدعاية الإعلامية التي سخرتها له أجهزة النظام.
وانتفضت جماهير طلبة الحوزة مرة أخرى عام 1975م في المدرسة الفيضية خلال الذكرى السنوية لانتفاضة الخامس من يونيو، واستمرت الهتافات التي أطلقتها تلك الجماهير “عاش الخميني” و “الموت للعائلة المالكة” مدة يومين متتاليين، فكانت تلك صدمة كبيرة للشاه وجهاز أمنه “السافاك”، فقامت قوات الشرطة إثر ذلك بمحاصرة المدرسة والهجوم على طلبة العلوم الدينية بوحشية وضراوة، حيث تعرضوا للضرب والإهانة، ثم زجّ بهم في السجون.
واستمراراً لنهجه العدواني في استئصال الدين، أقدم الشاه في مارس من عام1976م على خطوة وقحة تمثلت بتغيير التقويم الرسمي للبلاد الذي يعتمد هجرة الرسول الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) إلى التقويم الإمبراطوري الذي يبدأ بحكم الملوك الحاخامنشيين. وردّ الإمام الخميني بقوة على ذلك من خلال إصداره لفتوى تقضي بتحريم استخدام التقويم الإمبراطوري المفروض، ورّحب الشعب الإيراني بهذه الفتوى كما فعل في السابق مع فتوى تحريم الانتماء إلى حزب “رستاخيز”، فكانت القضيتان بمثابة فضيحة ووصمة عار لنظام الشاه، مما اضطره إلى العدول عن استخدام التقويم الإمبراطوري عام 1978م.ا

تصاعد وتيرة الثورة الإسلامية عام 1977م
شكل استشهاد آية الله الحاج مصطفى الخميني في 23 أكتوبر عام 1977م، ومجالس الفاتحة المهيبة التي أقيمت على روحه في إيران نقطة انطلاق لانتفاضة جديدة للحوزات العلمية والشعب الإيراني المؤمن. وقد اعتبر الإمام الخميني هذه المسألة آنذاك من “الألطاف الإلهية”. بعد ذلك نشرت أجهزة النظام مقالة مسيئة للإمام الخميني في صحيفة “اطلاعات” ظناً منها أنها تنتقم منه.
وفي معرض الاعتراض على المقالة المذكورة تفجرت في التاسع من يناير عام 1977م انتفاضة شعبية راح ضحيتها عدد من طلبة العلوم الدينية الثائرين والأهالي. وأدّت مراسم العزاء التي أقيمت لإحياء ذكرى الشهداء الذين سقطوا في الانتفاضة المذكورة في مراسم اليوم الثالث واليوم السابع ومراسم الأربعين إلى تفجر انتفاضات متتالية في مدن تبريز ويزد وأصفهان وطهران.ا

الرحلة من العراق إلى باريس
في اللقاء الذي تم في نيويورك وضم وزيري خارجية إيران والعراق، اتفق الطرفان على إخراج الإمام من العراق، وعلى أثر ذلك حوصر منزل الإمام في النجف الأشرف من قبل القوات البعثية في العراق وذلك في 24 سبتمبر عام 1978م، حيث عقد مدير الأمن العراقي جلسة مع الإمام ذكّره فيها بأن بقاءه في العراق مرهون بتخليه عن الجهاد والكف عن الخوض في المسائل السياسية، فكان ردّ الإمام حازماً حين قال إنه ولعِظم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه الأمة الإسلامية، غير مستعد للسكوت أو المساومة.
فغادر الإمام الخميني(رحمه الله) النجف الأشرف في 4 أكتوبر من نفس العام متجهاً نحو الحدود الكويتية، لكن الحكومة الكويتية امتنعت عن استقباله وذلك بتوصية من النظام الإيراني.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كان في النية أن يتوجه الإمام إلى لبنان أو سورية، لكنه وبعد التشاور مع نجله المرحوم حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد أحمد الخميني(رحمه الله)، قرر التوجه إلى باريس. وفعلاً حطّ الإمام رحاله بباريس في السادس من أكتوبر، وبعد يومين نزل في بيت أحد الإيرانيين في ضاحية نوفل لو شاتو الباريسية.
خلال 4 أشهر من إقامة الإمام في نوفل لوشاتو، أضحت هذه المدينة أهم المراكز الإعلامية العالمية، وكانت تبث مقابلاته الصحفية ولقاءاته المختلفة ووجهات نظره حول الحكومة الإسلامية وأهداف الثورة المستقبلية. وبهذه الطريقة اطلع عدد أكبر من شعوب العالم على فِكر الإمام وثورته، ومن هذا المكان تولى الإمام وفي أحلك الظروف قيادة الثورة في إيران.
في يناير عام 1979م شكل الإمام مجلس الثورة، في هذه الأثناء فرّ الشاه من البلاد وذلك بعد أن تشكل مجلس الوصاية على العرش، ونالت وزارة بختيار الثقة وذلك في 16 يناير 1979م.
انتشر خبر فرار الشاه في طهران وباقي المدن الإيرانية، ونزل الناس إلى الشوارع للتعبير عن فرحتهم وابتهاجهم بهذا الخبر.ا

العَودة إلى الوطن بعد 14 عاماً من النفي
في أوائل فبراير عام 1979م انتشر في الآفاق قرار عودة الإمام إلى أرض الوطن، وبالرغم من الانتظار الطويل الذي دام 14 عاماً، ظل هاجس الحفاظ على سلامته يشغل أذهان الشعب ورفاقه، وذلك لأن الحكومة التي فرضها الشاه كانت ما تزال تسيطر على المراكز الحساسة والمطارات في البلاد، وكانت الأحكام العرفية لا تزال سارية. لكن الإمام كان قد اتخذ قراره، موضحاً لشعبه في بياناته عن رغبته في التواجد بين صفوف الشعب الإيراني في هذه الظروف العصيبة والمصيرية.
وأخيراً، وطأ الإمام أرض الوطن في صبيحة اليوم الأول من فبراير عام 1979م بعد غياب دام 14 عاماً. وكان الإستقبال الذي حظي به الإمام من قبل الشعب الإيراني عظيماً ورائعاً لدرجة اضطرت معه وكالات الأنباء الغربية إلى الاعتراف بأن عدد الذين خرجوا لاستقبال الإمام تراوح بين 4-6 ملايين شخص.
وتدفقت الجموع من المطار إلى “بهشت زهرا” مقبرة شهداء الثورة الإسلامية للاستماع إلى الخطاب التاريخي للإمام. في هذا الخطاب دوت مقولة الإمام الشهيرة:” سأشكّل الحكومة! سأشكّل الحكومة بمؤازرة الشعب!”، في البداية لم يعبأ شاهبور بختيار بهذه المقولة، لكن لم تمض إلا أيام قلائل حتى أعلن الإمام عن تعيين رئيس لحكومة الثورة المؤقتة وذلك في الخامس من فبراير 1979م.
في الثامن من فبراير عام 1979م قامت عناصر من القوة الجوية بزيارة الإمام الخميني في مقر إقامته في مدرسة علوي في طهران، وأعلنت عن ولائها التام له. في هذه الأثناء كان الجيش الشاهنشاهي يوشك على الإنهيار التامّ، حيث شهد حالات فرار وتمرد العديد من الجنود والمراتب المؤمنين وذلك امتثالاً منهم لفتوى الإمام الخميني في ترك ثكناتهم والانضمام إلى صفوف الشعب.
في التاسع من فبراير انتفض الطيارون في أهمّ قاعدة جوية في طهران، فأرسلت قوة من الحرس الإمبراطوري لمواجهتهم وقمعهم، فانضم الناس إلى صفوف الثوار لدعمهم ومساندتهم.
في العاشر من فبراير سقطت مراكز الشرطة والدوائر الحكومية الواحدة تلو الأخرى بيد الشعب. وهكذا تم دحر نظام الشاه، وأشرقت ـ في صباح يوم 11 فبراير ـ شمس الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، واسدِل الستار على آخر فصل من فصول الحكم الملكي السحيق المستبد.
في عام 1979م صوّت الشعب لصالح استقرار النظام الجمهوري الإسلامي وذلك في أنزه استفتاء شهدته إيران حتى ذلك التاريخ، ثم تبعتها انتخابات تدوين الدستور والمصادقة عليه ثم انتخاب نواب مجلس الشورى الإسلامي.
كان الإمام يلقي الخطب والبيانات يومياً في مقرّ إقامته وفي المدرسة الفيضية على الآلاف من محبيه وذلك لتهيئة الأجواء لتدعيم أركان النظام الإسلامي وبيان أهداف الحكومة الإسلامية وأولوياتها، وتشجيعهم على تسجيل حضور فاعل في جميع الميادين.
بعد انتصار الثورة انتقل الإمام في الأول من مارس عام 1979م من طهران إلى قم، وأقام هناك حتى تعرّضه للأزمة القلبية في22 يناير 1980م. خضع الإمام للعلاج طيلة 39 يوماً في مستشفى طهران للأمراض القلبية، أقام بعدها وبصورة مؤقتة في منزل يقع في منطقة “دربند” بالقرب من طهران، ثم انتقل بعدها إلى منزل متواضع ـ حسب طلبه ـ يقع في محلة “جماران”، فظل مقيماً في المنزل المذكور حتى وفاته.ا

الحرب الظالمة ودفاع الـ 8 سنوات
بعد فشل الإدارة الأمريكية في إسقاط الحكم الإسلامي الفتي من خلال ممارسة الحصار الإقتصادي والسياسي ضد هذا النظام، وهزيمتها في العملية العسكرية في صحراء طبس إثر الاستيلاء على وكر التجسس “السفارة الأمريكية” في إيران، والفشل الذريع الذي واجه مخطط تقسيم كردستان، استقرّ رأي الإدارة الأميريكة أخيراً في عام 1980م على خيار إشعال فتيل الحرب الشاملة على نظام الجمهورية الإسلامية.
شنّ الجيش العراقي عدوانه العسكري الواسع في 22/9/1980م، في نفس الوقت الذي كانت فيه الطائرات الحربية العراقية تغير على مطار طهران وبعض المناطق الأخرى (في الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم المذكور). وتمكنت الآلة العسكرية لنظام صدام من التوغل عشرات الكيلومترات داخل الأراضي الإيرانية، واحتلال مساحات شاسعة في خمس محافظات إيرانية.
لكن الشعب الإيراني البطل وبقيادة الإمام الخميني استبسل في التصدي للعدوان، واستطاع بعد سلسلة من العمليات العسكرية الجريئة مثل عمليات ثامن الأئمة، وطريق القدس، والفتح المبين، وبيت المقدس، والفجر وغيرها من طرد العدو من الأراضي الإيرانية ، وقد قدم في هذا الطريق كوكبة من الشهداء، حتى تمكن من تسجيل سطور مضيئة وخالدة أخرى في سجله الحافل، ولم يفلح المعتدون بالوصول إلى أي هدف من أهدافهم.ا

تنبؤه بانفراط المعسكر الشرقي (الشيوعي) في العالم
على هدي بصيرته المذهلة، بعث الإمام الخميني برسالة إلى الرئيس گورباتشيف حملت التنبؤات التالية:
“من الآن فصاعداً يجب استقصاء الشيوعية في متاحف التأريخ السياسي العالمية”. كما حملت رسالته تحليلات عميقة فيما يخص التغيرات الجارية على الساحة السوفياتية، معبّراً عن ذلك بعبارة :”صوت تهشم عظام الشيوعية!”.
وفي إشارة منه إلى فشل الشيوعيين في سياسة محاربة الدين، طلب الإمام من گورباتشيف التوجّه إلى الله والدين بدل الإنزلاق في مطب المادية الغربية.ا

الدفاع عن النبي(ص) والقيم الدينية
بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، شن الساسة الغربيون هجوماً جديداً على الإسلام والثوار المسلمين، فجاء كتاب البذاءة والضلال “الآيات الشيطانية” لمؤلفه سلمان رشدي، ونشره على نطاق واسع، والدعم الرسمي الذي تلقاه من قبل الحكومات الغربية ليشكل أولى حلقات الغزو الثقافي. ففجر الإمام الخميني في 14 فبراير عام 1989م ثورة ثانية بإصداره فتوى بارتداد سلمان رشدي وإعدامه مع الناشرين لكتابه ممن اطلعوا على محتوياته المضللة. وقد صورت هذه القضية المجتمع الإسلامي كأمة واحدة.ا

الميزات الشخصية
كان الإمام الخميني(رحمه الله) مؤمناً إلى حدّ كبير بالنظام والترتيب والإنضباط في حياته، وكان يخصّص ساعات معينة من الليل والنهار للعبادة والذكر وتلاوة القرآن والدعاء والمطالعة. فكانت مناجاته وذكره الله سبحانه وتعالى والتفكير أثناء المشي جزءاً من برنامجه اليومي. ومع اقتراب عمره الشريف من الـ90 عاماً إلا أنه كان يعتبر من أنشط القادة السياسيين في العالم، بحيث أنه حافظ على تلك الروحية وذلك النشاط حتى في أصعب اللحظات في سبيل رفعة المجتمع الإسلامي وحلّ مشاكله.
كان الإمام غالباً ما يستمع، سواء في الليل أو النهار، إلى التحاليل الاخبارية التي تبثها الإذاعات الأجنبية الناطقة باللغة الفارسية ليتمكن شخصياً من الوقوف على سير الإعلام المضاد للثورة وتشخيص السبل الكفيلة بمواجهته، هذا إضافة إلى مطالعته اليومية لأهم الأخبار والتقارير في الصحف الرسمية الداخلية وعشرات النشرات الاخبارية، واستماع ومشاهدة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الداخل. ولم يغفل الإمام(رحمه الله) عن مد جسور الارتباط مع عامة الشعب باعتبارهم الثروة الحقيقية للثورة الإسلامية، فكان باستطاعة الناس على اختلاف طبقاتهم الإلتقاء به في أغلب الأيام في حسينية “جماران” لينهلوا من معينه الصافي، وذلك على الرغم من برنامجه اليومي المزدحم واجتماعاته مع مسؤولي النظام الإسلامي.ا

فصل الوداع ولقاء الله
أُدخِل الإمام الخميني(رحمه الله) مستشفى “جماران” بتاريخ 23 مايو عام 1989م. ولم تمنعه العمليات الجراحية العديدة الصعبة والطويلة التي أجريت له، ولا أنابيب الماء المغذي التي وصلت بيديه المباركتين، من إقامته نوافل الليل وتلاوة القرآن، حتى لبت روحه الطاهرة نداء ربها وذلك في الساعة 10:23 من مساء اليوم الثالث من يونيو من نفس العام.
لقد أجج رحيله ناراً مستعرة في القلوب، ويعتبر مشهد التشييع المهيب الذي حضره ملايين المشيعين من أبناء الشعب حدثاً تاريخياً قل نظيره. والحق أن رحيل الإمام الخميني كما حياته، جسّد صحوة جديدة وثورة أخرى، تشهد بخلود مبادئه وذكراه.
وللأمانة التاريخية، لا يفوتنا هنا أن نذكر المؤسسات التي تشكلت بأمر من الإمام الراحل، فكان لكل واحدة منها دورها الفعّال في المحافظة على منجزات الثورة وبناء الوطن والأخذ بيد المحتاجين والطبقات الفقيرة من الشعب. ومن جملة المؤسسات المذكورة هي ما يلي:
1- فيالق حرس الثورة الإسلامية.
2- قوات التعبئة الشعبية.
3- جهاد البناء.
4- مؤسسة الشهيد.
5- مؤسسة 15 خرداد.
6- مؤسسة المساكن.
7- جمعية المستضعفين والمعوقين.
8- مؤسسة محو الأمية.
9- مجمع تشخيص مصلحة النظام.
10- المجلس الأعلى للثورة الثقافية.
11- لجنة الإمداد والإغاثة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: